الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

20

تفسير كتاب الله العزيز

وكانت تاهرت هي المركز الثاني الذي ازدهرت فيه الحياة العلميّة في عهد الدولة الرستميّة ، وخاصّة في عهد الأئمّة : عبد الوهّاب وابنه أفلح وحفيده أبي اليقظان . وقد ترك لنا ابن الصغير صورا حيّة وأخبارا مفصّلة عن هذه الحياة العلميّة وعن مدى التسامح الذي كان سائدا بين مختلف المذاهب الفقهيّة والفكريّة في تاهرت « 1 » . إلى هذين المركزين الواقعين في شرق أوراس وغربه ، يكون عالمنا قد شدّ الرحال طلبا لمزيد من المعرفة ، وحضور مجالس الدرس والمناظرة والاتّصال بالعلماء . وسواء أطالت رحلته العلميّة إلى هذين المركزين أو إلى أحدهما أم قصرت ، فإنّ الشيخ هودا يكون قد عاد إلى موطنه الأوّل ، وقد ملأ وطابه من العلم النافع واتسعت آفاق معارفه ، وكثرت تجاربه . وها هو ذا - بعد أن ورث علم أبيه وأخلاقه ، ولمع اسمه بين العلماء - يستقرّ في أوراس ، فيصبح بها محطّ أنظار ، وقبلة آمال لطلبة العلم خاصّة ، وللناس عامّة . يقصده الطلبة ليقتبسوا من علمه وأخلاقه وتجاربه ، ويقصده سائر الناس ليتلقّوا منه التوجيهات الرشيدة ، والرأي السديد ، والحلّ المرضي لمشاكلهم ، فيقضي كلّ من قصده مأربه ، وينال بغيته . وقد قدّم لنا البدر الشمّاخيّ الشيخ هودا الهوّاريّ وكتابه بالعبارة الموجزة التالية : « ومنهم هود بن محكّم الهواريّ ، وتقدّم الكلام على أبيه . وهو عالم متفنّن غائص . وهو صاحب التفسير المعروف ، وهو كتاب جليل في تفسير كلام اللّه لم يتعرّض فيه للنحو والإعراب ، بل على طريقة المتقدمين » « 2 » . ولنقرأ هذه القصّة الطريفة التي كان أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر أوّل راو لها ، وهي تتعلّق بالشيخ هود الهوّاريّ . قال : « وذكر الشيخ ميمون بن حمودي « 3 » أنّ هود بن محكّم الهوّاريّ جاءه رجل من العزّابة يستعين به على ما يفكّ كتبا له مرهونة عند رجل من النّكّار في خمسة دنانير ، فدعا هود بن محكّم

--> ( 1 ) ابن الصغير ، المصدر المذكور أعلاه ، وانظر : إبراهيم بحاز ، الدولة الرستميّة . الباب الثالث ، الحياة الفكريّة ، ص 259 - 398 . ( 2 ) الشمّاخي ، السير ، ص 381 . ( 3 ) هو ميمون بن حمودي بن زوزدتن ( أو زورستن ) الوسياني . وقد صنّفه الدرجينيّ في الطبقة التاسعة ( 450 - 500 ه ) ، وذكر بعض أخباره . ولم تذكر المصادر سنة وفاته . انظر : الدرجيني ، طبقات المشايخ بالمغرب ، ج 2 ، ص 395 - 399 . وانظر : الشمّاخي ، السير ، ص 381 .